قصة في إنتظار الوزير
كتبهاكمال قرور ـ كاتب وصحافي ، في 5 يناير 2009 الساعة: 18:40 م
قصة في إنتظار الوزير

بقلم : بوفاتح سبقاق
كل شيء كان يبدو عاديا تلك الليلة ، بعد سهرة راقصة مع رجال الأعمال و أعيان المدينة في نزل القمر الأحمر ، غادر صالح المكان على الساعة الثالثة صباحا نحو قصره في حي المترفين ، بالرغم من حالة السكر التي كان فيها
فقد إستطاع الوصول بسلام الى حيث يريد .
بعد نصف ساعة من إستلقاءه على السرير بكل ثياب السهرة أحس بأنغام
الحفل تتهادى الى أذنيه ، و لكن الغريب أنها لم تكن صاخبة بل هادئة و مميزة
فتح عيناه و شغل أذناه ، إنه صوت الهاتف ، بعد جهد إستطاع أن يقترب من حافة السرير ، سمع صوتا مألوفا لديه يخاطبه …
- صديقي صالح ، بدون مقدمات ، هناك خبر سار أود أن أزفه إليك .
- لست بحاجة الى عملة صعبة و لا مشاريع و لا نساء ، ماذا تريد
يا سمير ؟
- لو تسمع الخبر ستفقد رشدك و تنهض في الحال .
- هيا إسرع إنني جد متعب ..
- سيستقيل غدا خمس وزراء من الحكومة …
- و ماذا يعنيني حتى لو تستقيل الحكومة كلها ..
- ستكون وزيرا يا صالح …
نهض صالح دفعة واحدة من فوق سريره و كأنه لم يشرب قطرة كحول واحدة.
- هل صحيح ما تقول ؟ و كيف حدث ذالك ؟
- لقد إتصل بي أحد الرجال المهمين ، فإقترحتك عليه ، يجب أن تكون غدا في العاصمة لكي تقترب من مصدر القرار .
- إنه أسعد خبر سمعته في حياتي ، لقد جربت كل شيء و ملكت كل ما أريد و لم يبق لي سوى أن أجرب الوزارة .
- لكن أي وزارة تريد أن تقودها ؟
- المهم أن أكون وزيرا و لو ليوم واحد ..
- إذن غدا سأنتظرك ، فلا تتأخر لأن الحسابات كثيرة و الطامحون الى السلطة أكثر ..
- لا تخش شيئا غدا سيكون عنك الوزير .
بعد المكالمة الوزارية ، قضى صالح ليلته يوقع القرارات و يمنح التفويض بالإمضاء لكل المديرين العامين من أجل تسهيل العمل و المبادرة الفردية
و يستقبل في مكتبه مبعوثي السفارات الأجنبية ن و فجأة سمع رنينا قويا ، أكيد
رئيس الحكومة على الخط ، وضع يده على السماعة بسرعة فتحول الهاتف بقدرة قادر الى منبه ، لقد إستقيظ من حلمه الجميل ، إنها الحادية عشر صباحا
على كل حال سيتجسد الحلم الى واقع قريبا ، و يمكن إعتبار ما وقع له في المنام بمثابة تربص تحضيري للعمل الفعلي .
بعد حوالي ساعة ، كان صالح المرشح للوزارة في كامل إستعداده لمغادرة قصره ، بأناقته الكلاسيكية و حقيبته الدبلوماسية سيكون وزيرا بمجرد
مروره أمام مبنى قصر الحكومة ، فإذا أطل رئيس الحكومة على الشارع
من خلال ستائر نافذته المزركشة ، لن يجد أجدر من صاحبنا ..
أوصله سائقه الخاص الى المطار ، كانت الأنظار منصبة نحوه ليس لكونه سيصبح وزيرا و لكن لأنه بكل بساطة أكبر رجل أعمال في المدينة ، الجميع يقدمون له أخلص التحيات و هو يرد بنصف إبتسامة مصطنعة ، كيف لا ؟ و وده لا يقاس بأموال ، نفوذه يسبقه لأي مكان ، ما إن تجاوز ردهة المطار حتى هرع نحوه المدير قائلا :
- مرحبا بالسيد صالح ، لك تذكرة محجوزة على أي خط داخلي أو خارجي تصله طائراتنا ، درجة أولى طبعا .
- شكرا تذكرة الى العاصمة فقط ..
- حاضر موجودة و ستنطلق الطائرة و لو بنصف الركاب ، تعال إنتظر ثواني في مكتبي حتى أعطي أمر الطيران ..
عندما كانت الطائرة تشق أديم السماء ، كان صاحبنا يجول بذهنه عبر آفاق المستقبل القريب ، سأصل العاصمة في الموعد المحدد قبل التعديل الحكومي
كل ما أتمناه أن تكون المناصب الوزارية المقترحة في مستوى تطلعاتي
ما يهمني هو الإشراف على وزارة فاعلة تصب فيها كل المصالح ، لن أرضى
عن وزارة الإقتصاد أو الصناعة بديلا ، إذا ظهرت معطيات أخرى سأقبل وزارة الخارجية أو الداخلية بكل تحفظ و لكن لن أقبل بأي حال من الأحوال
بكتابة الدولة للصيد البحري أو الغابات أو وزارة المجاهدين .
أثناء إنشغاله بخياراته المختلفة ، أيقظته المضيفة من إغفاءته مقدمة له فنجان قهوة و الجريدة المسائية ، المضيفات يضربن عرض الحائط طلبات الركاب الآخرين في حين أنهن يسارعن الى تنفيذ أي طلب لم يطلب للوزير الموعود
تأمل صالح العناوين الإفتتاحية للجريدة ، ما أثار إنتباهه عنوان بارز و بالخط العريض – خمس وزارء يقدمون إستقالتهم دفعة واحدة - و كتب تحته مباشرة – إنهيار خمس مساكن بحي شعبي - تساءل صالح في أعماقه….
هل سقطت البيوت حزنا على ذهاب الوزراء الخمس ؟
قرأ الخبر الذي يعنيه مليا ، و لكنه لم يجد فيه ما يشفي غليله ، حيث لم يتم ذكر طبيعة الحقائب الوزارية التي تم التخلي عنها بل كل ما كتب كان عبارة
عن كلمات جافة من نوع مصدر مطلع و آخر مأذون ، الصحافة عندنا آخر من يعلم ، أعرف هذا الخبر قبل نزوله الى المطابع ، هؤلاء المعربون لا يخرجون من مكاتبهم و دائما يشتكون و لا يحسنون سوى اللعب على أوتار الماضي و مكاسب الأجداد ، أجزم بأنهم لا يعرفون شيئا إسمه المهنية …
بعد دقائق خرج صالح من الزوبعة التي أثارتها الجريدة في فنجانه ، فقد كان متأكدا بأنه سيعرف كل شيء حين يصل الى العاصمة ، فصديقه سمير يعشش
في دواليب الإدارة منذ زمان ، إنه مقتنع بان تلك الهالة التي كانت تحيط حول الوزارة و المناصب السامية قد زالت عند كل المواطنين ، فمنصب الرئاسة لم يعد يثير الإكتراث فما بالك الوزارة و عليه فقد ترسخت في ذهنه
فكرة واحدة ضرورة إغتنام فرصة مكوثه في الوزارة لتحقيق كل مآربه الشخصية ، فلابد أن يخلق شبكة من المعارف في أجهزة السلطة ، حتى يضمن تواصل نفوذه و أقصى شيء يتمناه صاحبنا أن ينفى سفيرا الى الخارج
المهم في الوقت الحالي هو ضمان البداية …
تأمل صالح حقيبته الدبلوماسية ، و من خلالها يفكر في حقيبته الوزارية
سيقوم بإرساء دعائم وتقاليد جديدة ، لن يغير مدخل الوزارة كما يفعل
الآخرون بل سيغير كل المديرين العامين الموجودين بوزارته .
فجأة إنتبه جميع الركاب لصوت قائد الطائرة معلنا عن حدوث خلل تقني
بأحد محركات الطائرة ، وعليه طلب من الجميع التأكد من ربط الأحزمة و أخد كل التدابير و إلتزام الهدوء ، أخذت إمرأة مسنة تبكي و أخرى تصرخ
في حين أخد الرجال يرددون آيات و تسابيح ، الكل في رهبة و وجل ، ماعدا صالح الذي أقنع نفسه بتفكيره الحضاري بأن المشكل طفيف و سيحل لا محالة .
بعد دقائق أعلنت المضيفة خطورة الموقف و طلبت من الجميع إلتزام الهدوء
صعق صاحبنا في مكانه … أيعقل أن أموت بهذه الطريقة من الجو الى الأرض .. يا لها من ميتة فظيعة … أين أنا من رحمة الله ؟ لم أفعل في حياتي
ما يستوجب رحمته …
بعد لحظات أعلن القائد بأنه سيلجأ الى الهبوط الإضطراري في أي مطار قريب و عليه فقد طمأنت المضيفة الركاب من جديد و أعلنت بأن قائد الطائرة
يتمتع بخبرة طويلة في الطيران.
- تبا لهذا القائد … سوف يحقق الشهرة على حسابنا … قال أحد الركاب .
في هذه اللحظات لم يكن صالح رجل أعمال و لا وزير بل مجرد راكب طائرة مهدد بالموت بين الفينة و الأخرى ، تمنى من صميم ذاته النجاة فهو مستعد للتخلي عن منصب الوزارة و كل أمواله مقابل الحياة ، لو يقترح عليه في هذه اللحظات أحقر منصب عمل في العالم ن سوف يقبله بدون تردد
فهو بالـتاكيد أفضل من مكانه في العالم الآخر.
في اليوم الموالي فتح أحد القراء صحيفته ، ليثير إنتباهه عنوان بارز في الوسط- الرئيس يعين خمس وزراء جدد- و في زاوية أخرى عنوان أقل إثارة
- بسبب هبوط إضطراري في مطار مهجور : قتيل و عشر جرحى - و جاء في تحليل الخبر الأخير / و قد أستدل على هوية القتيل الوحيد بحقيبته
الديبلوماسية و هو رجل أعمال مشهور /
بقلم : بوفاتح سبقاق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قراءات | السمات:قراءات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


































