روايــة الـتـراس
ملحمة الفارس الذي اختفى
الكتاب: التراس… ملحمة الفارس الذي اختفى (رواية)
الكاتب: كمال قرور
الناشر: بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2008
“إن فضيلة الرجل هي أثره ولكن الرجل السيء السمعة منسي “
لوحة قبر شريف مصري قديم، من حوالي 2000 ق.م
“..أدركت أن الواقع دائما أكثر روائية من الخيال، وأنه يجب أن يتفوق الخيال، ليس على الواقع وإنما على خيالية الواقع ..”
الروائي غارسيا ماركيز
حديث الراوي ..
قال (الراوي) هي حكاية تروى للعبرة والاعتبار ولكنها ليست ككل الحكايات التي جاءت على لسان شهرزاد في ليالي ألف ليلة وليلة، أو على لسان الحيوان كما في حكايات كليلة ودمنة لابن المقفع. الحكاية واقعية وفيها ما يشبه الخيال، غرائبية وبعض تفاصيلها أغرب من الخيال. إنها حكاية التراس الفارس البطل الهمام الذي ولد وتربى وعاش وغامر وجاهد على أرضنا الطاهرة ثم اختفى في لحظة حاسمة وفي ظروف غامضة من تاريخ أمتنا المجيد.
والملحمة التي نرويها للأجيال تتداولها الألسنة على الهامش في المناسبات الوطنية والدينية، كما يتداولها رواة السير الشعبية في الأسواق، في المناسبات الدينية والأعياد الوطنية، ولكن للأسف حتى اليوم ترفض السلطات تدوينها في كتب التاريخ وإدراجها في المقررات المدرسية لأنها تستند إلى —-المؤرخين الرسميين– الذين يرونها تفتقر إلى الواقعية، والموضوعية.
والمؤرخون سامحهم الله، بدءا بابن كثير والطبري والمسعودي وابن خلدون وانتهاء بعبد الرحمان الجيلالي وتوفيق المدني، يهتمون كثيرا بهذه القضية ويولونها عناية فائقة في كتابتهم للتاريخ الرسمي المتواتر والمتسلسل والمترابط كعقد الجوهر. إذ ما قيمة الأحداث التاريخية – في نظرهم- إن لم تكن واقعية وموضوعية..؟
وهكذا يا سادة، تبقى حكايتنا، حكاية بطلنا التراس، مجرد حكاية تحكى للعبرة على هامش التاريخ الرسمي الموجه والمنقح والمزيد والمغربل من كل الشوائب والزوائد والدسائس والأقاويل، في انتظار إعادة كتابة تاريخ أمتنا المجيد بعيدا عن التعصب والتحيز والتزوير ..
ما حكاية التراس إذا؟ ولماذا اختفى؟ وكيف اختفى؟ وهل كان يجب أن يختفي في لحظة نصر مصيرية كتلك التي اختفى فيها وترك شؤون العباد في قبضة الفوضى تسيرها أنى شاءت وكيف شاءت ؟
بطل من خيال ..
قال (الراوي) كان التراس فارسنا بطلا معروفا في تلال عنابة ومتيجة ووهران. وجبال ايدوغ وبابور والاوراس ولالا خديجة والوانشريس والظهرة وأولاد نايل والقصور والنمامشة والزاب وحتى في الصحراء المترامية الاطراف والرمال.. أرض التوارق الرجال الزرق الشجعان المتاخمين لأفريقيا السوداء، كما كان معروفا في طانجة وقرطبة وسوسة وطرابلس ومصر والشام والحجاز، يعرفه ويقدره كل الناس: كبيرهم وصغيرهم ذكورهم وإناثهم.. كما تعرفه الحيوانات البرية والمتوحشة، و طيورالبر والبحر وأشجار السرو والبلوط والصفصاف واللوز وأزاهير السوسن والنرجس والأقحوان والخزامى ..
أطلسي القامة، عريض المنكبين، عيناه نجمتان ساطعتان وفمه هلال، وشعره غابة صنوبر
أفقه سماء.. وعطره الخزامى، وحديثه جدول عذب يطفئ ظمأ كل المخلوقات..
عندما يسيرالتراس في الطريق يهتز التاريخ تحت قدميه وتتقلص الجغرافيا، ولما يمتطي جواده الريح تحييه النساء بالزغاريد والرجال بالبارود والأطفال بالتهاليل والأناشيد وتنحني له الأشجار و الأطيار..ويرشه الغمام بما اعتصره من قطر ..
كان بكل بساطة إنسانا بسيطا في مأكله، لا يأكل إلا ما تغرس يداه.. ومتواضعا في ملبسه، لا يلبس إلا ما تصنع يداه. وكان أيضا لطيفا جدا مع الصغار ومقدرا الكبار، ورحيما بالحيوانات والنباتات والأشياء، ولذلك كان الجميع يحبونه.. وبصراحة، كان هو الآخر لا يضمر عواطفه النبيلة اتجاه من حوله، لأنه كان سعيدا بذلك الحب والاحترام.. وكان يدعو الجميع أن يحبوا ويحترموا بعضهم، حتى تسود المحبة في ربوع الوطن
فقط صديقه “اللقلق” كان يعلم ما يخفي في قرارة نفسه من لهيب الثورة، اتجاه “العماليق” الذين استعبدوا أبناء وطنه وساموهم سوء العذاب.
أبدا لم يكن التراس إنسانا عاديا.. بل كان إنسانا غريب الأطوار منذ ميلاده الغامض الموغل في التاريخ السرمدي..
أسطورة التراس الحكيم ..
قال (الراوي) هناك من يؤكد أن التراس ملاك في صورة إنسان أرسله الخالق إلى الأرض لينقذ الناس من الظلم الذي لحق بهم، وهناك من يروج لأسطورة الزواج المختلط بين الإنس والجن وكان فارسنا ثمرة هذا الزواج المبارك الذي لم يكن إلا مرة واحدة في تاريخ الكون.. وقال آخرون استنادا إلى ما جاء في الكتب القديمة: هذا عوج بن عناق الذي عاش في زمن سيدنا نوح عليه السلام والذي ساهم في نقل الأخشاب من بلاد بعيدة لبناء السفينة العظيمة التي أنقذت المؤمنين وبقية الكائنات الحية التي أمر الله نبيه نوحا أن يصنعها لهذا الغرض.. ثم عاصر النبي موسى، ولما قابل نبي الله عواج بن عناق، وكان طول النبي عشرة أذرع، كطول عصاه، وثب في السماء عشرة أذرع أخرى وضرب عوجا فأصاب كعبه، فتهاوى على الأرض، وهذه الحكاية الطريفة لا تختلف عن حكاية البطل آخيل الذي مجده هوميروس في إلياذته العجيبة. لما أصيب كعب أخيل لقي حتفه بينما كان جسد عواج بن عناق جسرا لأهل النيل يعني يهود الخروج الذين اجتاحوا أرض فلسطين العربية منذ القدم.. ولما استيقظ من غيبوبته بعد قرون، أصبح مهديا..
لما يسأل التراس عن هذه الروايات المتداولة بين عامة الناس يتعجب لقدرتهم على نسج الخيال وجعله واقعا، وعجزهم عن نسج الواقع ليصبح خيالا.. لذلك يصمت، ويغرق في صمته وعزلته ..
وحين يسأل عن والديه يقول بعفوية أبي التاريخ وأمي هذه الأرض الطيبة، وكل الكائنات إخواني، لأنا جميعا رضعنا ثديها الخيرة المباركة ولعبنا في حجرها الفسيح، وشاغبنا وشاكسنا لكنها لم تزدد بنا إلا رحمة ورأفة وحنوا..
عندما يعيد التراس هذه التفاصيل التي لا يكل من تكرارها على مسامع سائليه، يسجد سجود العابد في صومعته، فيبدو مثل جبال الأطلس يقبل التراب الزكي ثم يذروه في السماء، فيتناثر بعيدا كأن عاصفة هوجاء نثرته، يبتسم، ثم يصرخ :
-الله.. الله ..كم قصرنا في حق هذا التراب ..
يشعر حينئذ كأنه مسؤول عن ذاك التقصير، تسيل دموعه وتفيض وديانا وأنهارا.. وسرعان ما تتشربها الأرض العطشى..
عندما يسأل التراس فارسنا المغوار عن عمره، يحلو له دائما أن يجيب سائليه:
عمري قرون من الشوق والحنين
وهذه القرون انتهت
كيفما شاءت لها الأقدار أن تنتهي
المزيد